يشرع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في تغيير بلاده الموغلة في المحافظة وتحديثها.
لكنه في الوقت نفسه أدخل السعودية في حرب اليمن، وألقى بناشطات في مجال حقوق المرأة ورجال دين ومدونين بالسجن.
ويعتقد على نطاق واسع أنه مسؤول عن قتل الصحفي المعارض جمال خاشقجي في اسطنبول في العام الماضي.
تحت شمس حارقة، ينتحي حرس القصر جانبا للسماح بمرور السيارة التي تقلنا من خلال البوابات المحصنة. وقد تطلب أمر ترتيب مقابلة مع ولي العهد ووزير الدفاع آنذاك سلمان بن عبدالعزيز أياما طويلة.
قبل ذلك بعدة سنوات، وفي عام 2004، كان سلمان أمير الرياض عندما هاجم مسلحون فريق بي بي سي الذي كنت أعمل فيه، وأصابوني اصابات جسيمة وقتلوا المصور الإيرلندي سايمون كامبرز. قيل لي أن الأمير سلمان زارني في المستشفى، ولا أتذكر ذلك لأنني كنت في غيبوبة.
أما اليوم، فسلمان هو ملك السعودية وفي صحة معتلة. ومنذ ذلك الحين في عام 2013 لاحظت أنه كان يسند كفه بعصا أثناء جلوسنا على الكراسي الوثيرة في احدى قاعات الاستقبال في القصر الملكي.
كان سلمان قد عاصر تغييرات استثنائية. فخلال عمله كحاكم للرياض لخمسة عقود، رأى المدينة وهي تتحول من بلدة صحراوية بائسة لا يزيد عدد سكانها عن 200 ألف نسمة إلى مدينة يسكنها الآن أكثر من خمسة ملايين.
ولكن خلال تلك المقابلة الصحفية التي أجريتها معه، لم ألحظ إلا بشكل عابر وجود شخص جالس خلفي في الصالة يدوّن بهدوء ما يدور من حديث.
تخيلت، خاطئا، أن هذا الشخص كان سكرتيرا شخصيا لولي العهد. لاحظت أنه طويل القامة وذو بنية ثقيلة وكانت له لحية مصفوفة بعناية. وكان هذا الشخص يرتدي "البشت" السعودي التقليدي المقصب بالذهب، والذي يشير إلى رقي موقع لابسه.
بعد انتهاء المقابلة، عرفت هذا الرجل - مدوّن الملاحظات - بنفسي، وصافحته وسألته عن اسمه.
قال لي "أنا الأمير محمد بن سلمان"، واضاف بخجل "أنا محام، وأنت كنت تتحدث مع أبي".
لم تكن لدي أي فكرة، في ذلك المساء اللاهف الحرارة في جدة، أن هذا الشاب هادئ الكلام وغير المعروف على نطاق واسع سيصبح واحدا من أقوى الزعماء العرب - ومن أكثرهم اثارة للجدل - في السنوات اللاحقة.
في الثاني من تشرين الأول / أكتوبر 2018، دخل جمال خاشقجي مبنى القنصلية السعودية الكائن في حي ليفينت في اسطنبول.
كان خاشقجي، وهو صحفي معروف ومن كبار منتقدي محمد بن سلمان، قد قصد القنصلية من أجل الحصول على وثائق تثبت طلاقه من زوجته.
ولكن ما أن ولج مبنى القنصلية إلا وهجمت عليه قوة من أفراد الأمن والمخابرات أرسلت من الرياض خصيصا لهذا الغرض. وقتل هؤلاء خاشقجي ثم قطّعوا جثته وتخلصوا من الأشلاء بحيث لم يتمكن أحد من العثور عليها.
قتل الآلاف في الحرب الدائرة في اليمن، كثير منهم جراء الغارات التي يشنها الطيران السعودي. كما اختفى المئات من السعوديين الذين ينتقدون سياسات محمد بن سلمان في غياهب السجون. ولكن جريمة اغتيال هذا الصحفي المرموق أدت إلى تغير مواقف الكثيرين في العالم تجاه ولي العهد السعودي.
ورغم النفي السعودي الرسمي، تعتقد وكالات الاستخبارات الغربية أنه على أقل التقديرات كان محمد بن سلمان على علم بعملية اسكات صوت خاشقجي. أما وكالة المخابرات الأمريكية (CIA) فتعتقد إن محمد بن سلمان هو الذي أمر بقتل خاشقجي.
في مقابلة صحفية نشرت في 29 أيلول / سبتمر من هذا العام مع برنامج "60 دقيقة" الذي تبثه قناة CBS، قال محمد بن سلمان إنه "يتحمل المسؤولية الكاملة" عن ما حدث. وكان بن سلمان قد قال في مقابلة صحفية سابقة أجراها مع شبكة PBS الأمريكية إن عملية قتل خاشقجي "جرت تحت سلطته" ولكن هذه الأقوال لا ترقى إلى تحمل المسؤولية المباشرة، وهو أمر ينفيه محمد بن سلمان وحكومته.
من العناصر الرئيسية في هذه الجريمة البشعة وتبعاتها واحد من أقرب المقربين لمحمد بن سلمان، وهو مستشاره السابق، والضابط في القوة الجوية، سعود القحطاني.
كان القحطاني هذا، قبل تنحيته بعد حادثة قتل خاشقي، بأمر من الملك سلمان ، حافظ سر ولي العهد غير الرسمي في البلاط الملكي السعودي
يقال إن القحطاني كان يشرف على استراتيجية الكترونية تراقب السعوديين داخل البلاد وخارجها باستخدام برامج للتجسس الالكتروني استقدمت من الخارج. وحسب بعض التقارير، حوّلت هذه البرامج هواتف المواطنين إلى اجهزة تجسس دون علمهم.
وتعرض كل الذين كانوا ينتقدون محمد سلمان وسياساته إلى سيل من التهديدات والهجمات الالكترونية عبر منابر التواصل الاجتماعي. وتمكن القحطاني بفضل متابعيه الذين يناهز عددهم المليون - ومن خلال "الذباب الالكتروني" الذي كان يتحكم به - من مضايقة وتهديد من يعتبرون من أعداء النظام الحاكم.
ففي حزيران / يونيو 2017، الشهر نفسه الذي أصبح فيه محمد بن سلمان وليا للعهد، قرر خاشقجي ترك السعودية والتوجه إلى الولايات المتحدة.
كان خاشقجي يبلغ من العمر آنذاك 59 عاما، ويعتبر نفسه سعوديا وطنيا. وسبق له أن عمل مستشارا اعلاميا للسفير السعودي في لندن في أوائل الألفية الثانية، وأتذكر أنني كنت أتناول القهوة معه في تلك الأيام.
ولكن بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة، بدأ خاشقجي في نشر مقالات في صحيفة الواشنطن بوست ينتقد فيها محمد بن سلمان واسلوبه التسلطي في الحكم. ويقال إن هذه المقالات أغضبت محمد بن سلمان.
بدأ خاشقجي بتسلم مكالمات هاتفية من الرياض تحظه على العودة إلى السعودية، ووعده المهاتفون بأنه سيكون بأمان وأنه سيكلف بوظيفة حكومية.
ولكن خاشقجي لم يثق بهذه التأكيدات، فقد قال لبضعة من أصدقائه إن فريق القحطاني قد تسللوا إلى حسابات بريده الألكتروني وأطلعوا على محادثاته مع شخصيات معارضة أخرى.
كان خاشقجي وغيره من المعارضين ينوون إطلاق حركة تطالب بحرية التعبير في العالم العربي. وكان له 1,6 مليون متابع في تويتر، كما كان يعد واحدا من أبرز الصحفيين في الشرق الأوسط.
ولذا قد كان ينظر إلى خاشقجي - من لدن محمد بن سلمان وأعوانه المقربين - على أنه يشكل تهديدا ماثلا، ولو أن ولي العهد نفى ذلك في المقابلة التي أجرتها معه شبكة CBS.
لكنه في الوقت نفسه أدخل السعودية في حرب اليمن، وألقى بناشطات في مجال حقوق المرأة ورجال دين ومدونين بالسجن.
ويعتقد على نطاق واسع أنه مسؤول عن قتل الصحفي المعارض جمال خاشقجي في اسطنبول في العام الماضي.
تحت شمس حارقة، ينتحي حرس القصر جانبا للسماح بمرور السيارة التي تقلنا من خلال البوابات المحصنة. وقد تطلب أمر ترتيب مقابلة مع ولي العهد ووزير الدفاع آنذاك سلمان بن عبدالعزيز أياما طويلة.
قبل ذلك بعدة سنوات، وفي عام 2004، كان سلمان أمير الرياض عندما هاجم مسلحون فريق بي بي سي الذي كنت أعمل فيه، وأصابوني اصابات جسيمة وقتلوا المصور الإيرلندي سايمون كامبرز. قيل لي أن الأمير سلمان زارني في المستشفى، ولا أتذكر ذلك لأنني كنت في غيبوبة.
أما اليوم، فسلمان هو ملك السعودية وفي صحة معتلة. ومنذ ذلك الحين في عام 2013 لاحظت أنه كان يسند كفه بعصا أثناء جلوسنا على الكراسي الوثيرة في احدى قاعات الاستقبال في القصر الملكي.
كان سلمان قد عاصر تغييرات استثنائية. فخلال عمله كحاكم للرياض لخمسة عقود، رأى المدينة وهي تتحول من بلدة صحراوية بائسة لا يزيد عدد سكانها عن 200 ألف نسمة إلى مدينة يسكنها الآن أكثر من خمسة ملايين.
ولكن خلال تلك المقابلة الصحفية التي أجريتها معه، لم ألحظ إلا بشكل عابر وجود شخص جالس خلفي في الصالة يدوّن بهدوء ما يدور من حديث.
تخيلت، خاطئا، أن هذا الشخص كان سكرتيرا شخصيا لولي العهد. لاحظت أنه طويل القامة وذو بنية ثقيلة وكانت له لحية مصفوفة بعناية. وكان هذا الشخص يرتدي "البشت" السعودي التقليدي المقصب بالذهب، والذي يشير إلى رقي موقع لابسه.
بعد انتهاء المقابلة، عرفت هذا الرجل - مدوّن الملاحظات - بنفسي، وصافحته وسألته عن اسمه.
قال لي "أنا الأمير محمد بن سلمان"، واضاف بخجل "أنا محام، وأنت كنت تتحدث مع أبي".
لم تكن لدي أي فكرة، في ذلك المساء اللاهف الحرارة في جدة، أن هذا الشاب هادئ الكلام وغير المعروف على نطاق واسع سيصبح واحدا من أقوى الزعماء العرب - ومن أكثرهم اثارة للجدل - في السنوات اللاحقة.
في الثاني من تشرين الأول / أكتوبر 2018، دخل جمال خاشقجي مبنى القنصلية السعودية الكائن في حي ليفينت في اسطنبول.
كان خاشقجي، وهو صحفي معروف ومن كبار منتقدي محمد بن سلمان، قد قصد القنصلية من أجل الحصول على وثائق تثبت طلاقه من زوجته.
ولكن ما أن ولج مبنى القنصلية إلا وهجمت عليه قوة من أفراد الأمن والمخابرات أرسلت من الرياض خصيصا لهذا الغرض. وقتل هؤلاء خاشقجي ثم قطّعوا جثته وتخلصوا من الأشلاء بحيث لم يتمكن أحد من العثور عليها.
قتل الآلاف في الحرب الدائرة في اليمن، كثير منهم جراء الغارات التي يشنها الطيران السعودي. كما اختفى المئات من السعوديين الذين ينتقدون سياسات محمد بن سلمان في غياهب السجون. ولكن جريمة اغتيال هذا الصحفي المرموق أدت إلى تغير مواقف الكثيرين في العالم تجاه ولي العهد السعودي.
ورغم النفي السعودي الرسمي، تعتقد وكالات الاستخبارات الغربية أنه على أقل التقديرات كان محمد بن سلمان على علم بعملية اسكات صوت خاشقجي. أما وكالة المخابرات الأمريكية (CIA) فتعتقد إن محمد بن سلمان هو الذي أمر بقتل خاشقجي.
في مقابلة صحفية نشرت في 29 أيلول / سبتمر من هذا العام مع برنامج "60 دقيقة" الذي تبثه قناة CBS، قال محمد بن سلمان إنه "يتحمل المسؤولية الكاملة" عن ما حدث. وكان بن سلمان قد قال في مقابلة صحفية سابقة أجراها مع شبكة PBS الأمريكية إن عملية قتل خاشقجي "جرت تحت سلطته" ولكن هذه الأقوال لا ترقى إلى تحمل المسؤولية المباشرة، وهو أمر ينفيه محمد بن سلمان وحكومته.
من العناصر الرئيسية في هذه الجريمة البشعة وتبعاتها واحد من أقرب المقربين لمحمد بن سلمان، وهو مستشاره السابق، والضابط في القوة الجوية، سعود القحطاني.
كان القحطاني هذا، قبل تنحيته بعد حادثة قتل خاشقي، بأمر من الملك سلمان ، حافظ سر ولي العهد غير الرسمي في البلاط الملكي السعودي
يقال إن القحطاني كان يشرف على استراتيجية الكترونية تراقب السعوديين داخل البلاد وخارجها باستخدام برامج للتجسس الالكتروني استقدمت من الخارج. وحسب بعض التقارير، حوّلت هذه البرامج هواتف المواطنين إلى اجهزة تجسس دون علمهم.
وتعرض كل الذين كانوا ينتقدون محمد سلمان وسياساته إلى سيل من التهديدات والهجمات الالكترونية عبر منابر التواصل الاجتماعي. وتمكن القحطاني بفضل متابعيه الذين يناهز عددهم المليون - ومن خلال "الذباب الالكتروني" الذي كان يتحكم به - من مضايقة وتهديد من يعتبرون من أعداء النظام الحاكم.
ففي حزيران / يونيو 2017، الشهر نفسه الذي أصبح فيه محمد بن سلمان وليا للعهد، قرر خاشقجي ترك السعودية والتوجه إلى الولايات المتحدة.
كان خاشقجي يبلغ من العمر آنذاك 59 عاما، ويعتبر نفسه سعوديا وطنيا. وسبق له أن عمل مستشارا اعلاميا للسفير السعودي في لندن في أوائل الألفية الثانية، وأتذكر أنني كنت أتناول القهوة معه في تلك الأيام.
ولكن بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة، بدأ خاشقجي في نشر مقالات في صحيفة الواشنطن بوست ينتقد فيها محمد بن سلمان واسلوبه التسلطي في الحكم. ويقال إن هذه المقالات أغضبت محمد بن سلمان.
بدأ خاشقجي بتسلم مكالمات هاتفية من الرياض تحظه على العودة إلى السعودية، ووعده المهاتفون بأنه سيكون بأمان وأنه سيكلف بوظيفة حكومية.
ولكن خاشقجي لم يثق بهذه التأكيدات، فقد قال لبضعة من أصدقائه إن فريق القحطاني قد تسللوا إلى حسابات بريده الألكتروني وأطلعوا على محادثاته مع شخصيات معارضة أخرى.
كان خاشقجي وغيره من المعارضين ينوون إطلاق حركة تطالب بحرية التعبير في العالم العربي. وكان له 1,6 مليون متابع في تويتر، كما كان يعد واحدا من أبرز الصحفيين في الشرق الأوسط.
ولذا قد كان ينظر إلى خاشقجي - من لدن محمد بن سلمان وأعوانه المقربين - على أنه يشكل تهديدا ماثلا، ولو أن ولي العهد نفى ذلك في المقابلة التي أجرتها معه شبكة CBS.
Comments
Post a Comment